الثلاثاء، 24 يونيو 2025

بُسيملة محمود تسرد رأيها

 

إذا تزلزت القلوب بين الغيرةِ والإلحاد


يا صاح، إنّ جُدرَ الزمانِ ما برحت تتهدّج من دويّ النزاع بين الحقِّ والهوى، وإنّ القلوبَ ما لم تُهذَّب بنور الوحي؛ تضلُّ كما تضلُّ السُّفن إذا انطفأت منائرها في دُجى العباب، إنّ اختلاف المُعتقدات لم يكن يومًا لُغوًا عارضًا ولا نزقًا عابرًا، بل هو فتنةُ الله في خلقه، يبلو بها من شكر ومن كفر، ويكشف بها صدقَ العابد وزيفَ المدّعي، وهيهات أن يستوي من تيمّن بنور الله، ومن عكف على ضلالٍ كالأوثان، لا تُبصر ولا تهدي سبيلًا، إنّ ربوع الأرض ما انفكّت مأوى لمذاهب شتّى، وأهواءٍ متباينة يُنادى فيها باسم الإله، لكن كلٌّ ينادي على ليلاه؛ فمنهم من يتبع الوحي، ومنهم من يتبع ما تهوَى الأنفُس وتزيّنه لهم زخارف الشياطين، وليس الغريب أن تتغاير العقائد؛ فذاك قَدرُ الله في خلقه، وإنما العجبُ كلّ العجب أن يرتضي المسلم لنفسه المهانة؛ فيرى الباطل يتسيّد، ثم يُمسك لسانه خشية أن يُقال عنه متعصّب، أو قاصٍ غليظ، ويحك! أيُّ تعصّبٍ يُقال في غيرةٍ لله؟ أيُّ غلظةٍ في بيان الحق؟ أفلا علمتَ أن السيفَ حين يُشهَر في وجوه الباطل لا يُقال عنه جريمة، بل يُسمّى جهادًا؟


`الغيرةُ الدينية ليست خَرفَ العقول:`

ما غارت القلوب يومًا إلا لِحُرمةٍ انتُهكت، أو حقٍّ دُفن تحت رُكامِ التسامح الأعور، ذاك التسامح الذي لا يُبقي على دين، بل يُذيبه في مَرجٍ من الميوعة الفكرية، حتى يُصبح المسلم كالأعشى في عين النهار، لا يرى من دينه إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، إنّ الغيرة على الدين، إن لم تكن مزمومةً بالرعونة؛ فهي تاجُ العقلاء، وسِمَةُ الفطناء، ومِعراجُ المؤمنين إلى مقاماتِ الصدق والبلاغ، فيا مَن تسكُن فُسطاطَ الإسلام، أأنتَ مسلمٌ بالهوية، أم بالحقيقة؟ أتغار إذا مُسَّ عرضُك، وتخرس إذا وُطِئَت شرائع ربك؟ إنّ الصمتَ في مواطنِ الحقّ ذلٌّ وإن ارتديتَ جُبَّة الحكماء. 


`وجهات النظر بين وَهنٍ وعقل:`

منهم من يرى أنّ اختلاف الأديان سِلمٌ للتسامح، ومَعبَرٌ للوحدة، ومنهم من يرى أنّ غيرةَ الدين سيفٌ مَسلول على رقابِ الآخر، لكن الحقّ بين ذلك لا يرضى بالتنازل عن جوهر العقيدة، ولا بالاحتراب الأرعن، بل يأمر بالثبات دون تهيّج، وبالغيرة دون فُحش. 


`رسالةٌ صارخةٌ لكل من يُنازع في دين الله:`

إليك أيها المترفّق بالباطل، الراضي بتقويض الدين بحجة الحياد، إنك لستَ عدلًا، بل خائنٌ لميزان الله، من هادن الباطل ذاب فيه، ومن سكتَ عن الكفر عاشَ فيه، فيا من خُدِّر بمرهمِ الإنسانية الزائف، إعلم أنّ الإسلام ما جاء ليكون مذهبًا في قائمة، بل جاء ليهيمن؛ ليحكم، ليُظهره على الدين كلّه ولو كره الكافرون.


`الإسلام الدين الحقُّ بلا ريب:`

أما وقد بلغنا ذروة المقال؛ فلا بدّ أن يُقال صراحةً، أن الإسلام ليس ندًّا بين الأديان، بل هو السيد وغيره تابع، هو الحقُّ وما سواه باطل، وقد قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا﴾.

فلا يغرّنّك زخرف القول، ولا يُخدعنّك تعدد المسالك؛ فالنارُ وإن تعددت أبوابها فهي نار، والجنة بابٌ واحد وهو الإسلام؛ فمن ابتغى غيره ضلّ، ومن ارتضى سواه هلك.


ألا فاستيقظوا يا مَن ران على قلوبكم غبارُ المُجاملة، وانتصبوا لربٍّ خلقكم، لا لتُساووا دينه بغيره، بل لتُعلوا رايته، وتغاروا عليه كما تغارون على عِرضٍ وشرف، وليعلم كلّ ساكتٍ عن الحق، وكلّ ممالئٍ للباطل، أن الله سائله، وأن النيران أولى بمن تواطأ على دينه باسمِ التسامح، وأنّ الغيرة على العقيدة ليست جُرمًا، بل فِطرةٌ راسخة، لا تنطفئ إلا في قلوبٍ خواء، قد هجرها الإيمان؛ فما وُجدت الغيرة إلا في قلبٍ حيّ، وما اختفى صوتُها إلا في زمنِ النفاق، وإنّ زمن النفاق قد طال؛ فهل من مُجِيرٍ للهويّة؟


*← بُسَيمِلَة مَحْمُود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

آية عبداللّٰه تدوّن رأيها

  في ظل تلك الظروف التي أُنتهكت فيها الحرمات، وأصبح العالم يلهث وراء الخرافات، وتطور الغرب والإغواءات. نحن هنا بالإسلام نعتز ولا نريد سواه. ...