بين الفضول والرغبة في الاكتشاف، نغوص في أعماق ذواتنا. نكتشف أنفسنا، فننضج... لكن هذا النضج لا يأتي مجانًا. أحيانًا يؤلمنا، يجرّنا إلى زوايا لم نرغب في دخولها، ويكشف عنا غشاوة كنا نظنها أمانًا.
في لحظات كهذه، يبدو الفضول وكأنه خيانة ناعمة، يقودنا إلى وجع لا نتحمله. وكما قالت الكاتبة أمنية حلمي: *"الفضول سلاح ذو حدين، كلاهما ضدك."* وربما لهذا السبب، لا تكون كل الأسئلة طريقًا إلى النجاة، بل إلى مزيد من التيه والعذاب الفكري.
دعونا نتعرّف أكثر على الكاتبة الجميلة فكرًا وقلمًا، أمنية حلمي، ونخوض معها تجربة مليئة بالتشويق والحماس.
رحلة نقترب فيها من ملامحها الإنسانية والفكرية، ونتأمل أعسر الظل الذي كان الفضول هو سلاحه.
ونبدأ بالسؤال الأول:
*إذا أراد جمهور رواية (يروى عن أعسر الظل) التعرف على مؤلفتها، كيف تقدمين نفسك لهم؟*
فتاة أرادت أناملها العبث
فكتبت..
*ما معنى يروى عن أعسل الظل؟*
أعسر الظل.. هو كل ظل أرغمته الحياة على التعثّر والعُسر، حتى بات أعسرًا.. مُخل سيرُه وبصره، يعاني أعسرُه في شتى أجزاء جسده، ويملك نفسًا عسراء دونًا عن تلك اليمينية التي تدعي الإستقامة والبهجة، هناك في الجانب الأعسر منه العُسر بلا يُسر.
ولأني أروي معاناته في رواية
فـ.. أنا أروي عن أعسر الظل
*من بين شخصيات رواياتكِ… هل هناك شخصية تشبهك؟*
في المجمل ربما هناك "چين" في رواية ورطة باللون الوردي، كما "غنوة" و"روچادا" في رواية ورطة مسمومة المذاق، وأحيانًا "أوليڤيا" في غرباء أناتوليا، و"عمران" في يروى عن أعسر الظل
أنا كل شخصياتي وعكسها..
*ذكرتِ إنك كل شخصياتك وعكسها.. هل ده معناه إنك بتكتبي كنوع من اكتشاف الذات؟ ولا كوسيلة للهروب منها؟*
في الواقع ولا شيء منهما..
أنا أكتب لتفريغ طاقاتي المكبوتة، أفكاري المتضادة، شخصياتي المتناقضة؛ بين الورق.. ودون ذلك أنا لا أهرب، وفي ذات الوقت لا أسمح لنفسي أن أكشف دواخلي لأعين المعجبين.. أنا الشخص المبهم وليس الغرض من اختفائي هو إثارة الفضول وهالة الغموض، بل أنها قرارة داخلية.. أن أكتب كما أكتب وأظل الشخصية المناقضة لكل كتاباتي في الخفاء
*ما أول شعور انتابكِ عندما أمسكتِ القلم وكتبْتِ للمرة الأولى؟ وما المرحلة أو اللحظة التي دفعتكِ لاختيار الكتابة بدلاً من الكلام؟*
في الواقع كان شعور الـ.. لا شيء
لم أكتب لشغفي الكبير بالكتابة ولا لهوسي بالشهرة والضوء، بالعكس تمامًا.. أنا فتاة وُلدت في ظل الحوائط لا تستهويني الأضواء وكثرة الأبصار المسلطة نحوي.. كتبت فقط كتجربة بالصدفة البحتة كذلك، لم أشعر بأي شيء تجاه هواية لطالما كنتُ أنفر منها ومن مُمارسيها
*لماذا اخترتِ كتابة الروايات تحديدًا، رغم تنوّع أشكال الكتابة الأدبية؟*
في الواقع أنا لم أختر..
بدأت بكتابة النصوص والخواطر وهي شغفي الأول والأخير.. واستمررت بها لأكثر من عامين قبل أن آخذ خطوة كتابة القصص القصيرة لمدة عام كذلك، وبعد ثلاثة أعوام خضت تجربة كتابة الروايات وبدأتها بروايتي الأولى "الچوكر".
لذا أتى الأمر على عدة مراحل
*لو طلبنا منكِ تلخيص مشواركِ في تأليف الروايات، ما أبرز المحطات التي ساعدتكِ على التميز كمؤلفة؟ وما أهم إنجازاتكِ حتى الآن؟*
أبرز المحطات ربما كانت المعرض بالنسبة لي.. وهو أهم إنجازاتي كذلك
في الواقع.. جازفت بخطوة النشر الورقي وأنا متكبدة عناء المبيعات، نعم ربما فلان وفلان يحبون رواياتي لكن.. مَن سيجازف ويدفع عُملة واحدة في عمل لفتاة في بداية مسيرتها بالنشر الورقي؟
وقد.. صُعقت تمامًا، فكرة أن تقفين بأرض حدث ضخم كمعرض القاهرة الدولي ويلتف حولك عشرات بل مئات المُحبين لكتاباتك يطلبون توقيعًا أو صورة فكرة... مرعبة ومذهلة في آنٍ واحد!!!
لا أذكر كم شخص آتى لنيل صورة أو توقيع رفقتي لشخصية أحبها هو، لكني أذكر كل وجه مرّ عليّ لرسم بسمة واسعة على وجهي بوجوده، إن لخصت مشواري في الكتابة فسألخصه بمعرضيّ ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، وأهم إنجازاتي هو مئات النسخ التي نفذت من رواياتي الورقية لأجل مُحبين لكتاباتي المتواضعة!
*هل وصلتكِ رسالة من قارئ تركت أثرًا خاصًا بداخلك؟*
بالطبع، قد أكتب أحيانًا في سبيل تفريغ شحناتي الداخلية وفقط دون حمل عبء ردود القراء، لكن وبمجرد إشادة ولو قارئ واحد بمستوايا المتطور وعمق كتاباتي وسردي آكُل سرب من الفراشات الحية مع كل تعليق منهم، أشعر وكأن كل ساعات الكتابة المرهقة قد أُزيلت من عاتقي في تلك اللحظة
*كيف تتعاملين مع النقد؟*
لن أبالغ في مثاليتي..
في بداياتي ربما منذ سنتين أو ثلاثة كنتُ أعتبر الأمر شخصيًا بما فيه الكفاية لأرد عليه وأنا كلي ترقّب لرد المنتقد وفي الكثير من الأحيان إما أن ينتهي الأمر بإقناع أحد الطرفين للآخر أو ينتهي بمشادة كلامية يختمها تجاهل أحدنا للآخر
أما الآن.. فأنا أستأصل العراك من جذره وأتجاهله تمامًا طالما رأيت فيه نقدًا هدّامًا بلا فائدة لسير النقاش، وقد أجيب وأتناقش بصدر رحب إن كان في النقد رغبة لإصلاحي ومساعدتي وليس لمناظرتي
*هل تخوضين معارككِ وتواجهين الصعوبات من أجل نفسكِ؟ أم لا يقول الناس إنكِ استسلمتِ؟*
إن رأينا من عين الواقع، فالناس لا ينفكوا أن يمضغون سيرتك طوال الوقت كالعلكة مُرة المذاق، لذا فأي معركة أخوضها أكون أنا كلتا طرفيها، ولا أسمح لأي أدمي كان أن يكون طرفًا في حرب أخوضها بنفسي، أنا لا أفعل شيء لأجل البشر.. أفعلها لنفسي وبنفسي فقط..
*برأيكِ، من أكبر داعم لكِ في مشواركِ؟*
عائلتي في المقام الأول.. من والدي الذي لم يكل ولا يمل من دعمي في كل نفسٍ أتنفسه، ووالدتي التي لطالما كانت المأوى لترتيب جل أفكاري من أبسطها لأضخمها، ثم إخوتي من أصغرهم لأكبرهم، وسيان أصدقائي المقربين ومُحبيني الداعمين
*في حال غياب الدعم، هل كنتِ ستصلين إلى ما وصلتِ إليه اليوم؟ وهل تعتقدين أن الإنسان بحاجة دائمة إلى داعم لتحقيق النجاح، أم أن الإصرار وحده كافٍ؟*
معتقدش
جايز كنت أوصل، بس مش بنفس التأثير ولا الإمكانيات، فكرة إن (الرحلة الفردية أحلى) دي فكرة خاطئة تمامًا، مفيش إنسان يقدر يكمل لوحده بدون دعم الغير، دونًا عن شعور الوحدة اللي هينهشه فهو كمان عمره ما هيوصل لربع اللي هيوصله بدعم اللي حواليه
الدعم شبه المياة النقية اللي بترعى النبات المزروع، ومن غيره يموت.
*لكل موهبة أثرها، فماذا أضاف لكِ تأليف الروايات على المستوى الشخصي؟*
الكتابة نقلتني جذريًا من نعيم الجهل لجحيم الوعي، ودا أوضح تعبير مما أقوله
*ما هو جحيم الوعي؟*
نظرتي لكل شيء إتغيرت.. كل شيء بلا إستثناء، كنت في عالم وردي لا يشوبه شائبة وفجأة بقيت في قاع جحيم الإدراك، والأسوأ إن بقى ليّا عين تالتة بشوف وبحلل بيها أي موضوع، ودا قعر العذاب الفكري لو تعرفي!
*لِمَ يختار الإنسان أن يسكن قعر العذاب الفكري، رغم أن بوسعه الاحتماء بعالمٍ ورديٍ مريح؟*
دا السؤال اللي عمري ما سألته لنفسي قبل ما أدخل لعالم القراءة والكتابة
يمكن لو كنت سألته عمري ما كنت هكتب ولا هقرأ..
*هل ترغبين في مواجهة هذا السؤال مع نفسك؟ أم أنكِ تفضلين تجنّبه في الوقت الحالي؟*
أظن هحب جدًا أهرب
على الأقل الفترة دي
*الطموحات تتبدل مع مرور الزمن، فبِمَ كنتِ تطمحين في بداية مسيرتكِ ككاتبة روايات؟ وما الذي تطمحين إليه اليوم؟*
في بداية مشواري لم أطمح للكثير كما تظنين، كما أخبرتك سابقًا لقد دخلت المجال بمحض الصدفة ولم أظن ولو عبثًا أن أنجح فيه، أما الآن.. ربما قُتلت كل طموحاتي، ولم يبقى بها سوى أمنيتي بأن أترك أثرًا طيبًا بقلوب قرائي، وفقط.
*الفضول سلاح ذو حدين، وكلاهما ضدك. هل تعتبرين نفسكِ شخصية فضولية؟ وإلى أي مدى بلغ هذا الفضول؟*
ربما كنتُ
كنتُ فضولية للحد الذي أودى بيّ للهلاك عدة مرات، أما الآن فأنا بقايا شعلة منطفئة سابقًا، بسبب فضولها
كنتُ القط الذي قتله الفضول
*هل سبق أن انقلب فضولكِ عليكِ وأثر سلبًا فيكِ؟*
أحيانًا
وغالبًا ما قد يجذبني لنقطة سيئة من الإدراك، نقطة إن علمت سابقًا أني سأذهب لها والله ما كنتُ سمحت لفضولي أن يكون.
مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، هل ترين أنه يمكن الاستفادة منها في مجال كتابة الروايات؟
نسبيًا
لكن على المستوى الشخصي أنا لا أعتمد عليه تمامًا.. ولا لأي غرض.. ممكن اسأله في بعض أسئلة كتجميع معلومات أو بحث، لكن ككتابة فعلية فأنا بعتمد على نفسي بس
*هناك العديد من الآراء حول الوسط الأدبي، وبالأخص الكيانات والمبادرات الخاصة بالكتّاب والمؤلفين… هل أنتِ مع هذه الكيانات أم ضدها؟ ولماذا؟*
أنا أكيد مع أي منظمة تقدم مساعدة حقيقية للكاتب، عشان كدا الموضوع دا نسبي جدًا بالنسبة لي.. لو ذو فائدة وهيساعد الكاتب فأنا أكيد معاه، لكن لو بيستغل جهل الكاتب المبتدأ لأي مصالح مادية أو معنوية فأنا ضده تمامًا (ودول الأغلبية للأسف) خصوصًا إن معظم رؤساء الكيانات دي ناس لا تفقه شيء عن الكتابة وأساسياتها أساسًا..
*ما أبرز أعمالكِ الكتابية؟* *وما الفكرة التي يناقشها كل منها؟*
الچوكر ( عن قاتل متسلسل يعيث الفساد بين رجال الأعمال لغرض إنتقامي بحت، وتبدأ الإحداث باختطافه لحفيدة لواء المباحث المسئول عن قضيته تحت بند التهديد ليجندها بطريقة أو بأخرى تحت وطأة حُبه)
وورطة باللون الوردي والجزء الثاني منها ورطة مسمومة المذاق (رواية إجتماعية عن سبعة إخوة بقلب أحد الحارات الشعبية تقع تحت أياديهم مؤثرة إجتماعية مشهورة وتتوغل بحيوات سبعتهم، الرواية دونًا عن إجتماعيتها محشوة بالفضول والرومانسية نوعًا ما، وقد يركز الجزء الثاني منها على حياة أخيهم الأكبر.. تاجر المخدرات المعروف!)
ثم غرباء أناتوليا (التي تدور حول عام ٢٣٣٠ بالمستقبل.. حين تفرض النسوية أعلامها على غطرسة الرجال وينقسم العالم لجنسيّ منفصلين، حتى يأتي أربعتهم ويقررون العودة للماضي، عساهم يصلحون نوعًا ما ما أفسده أجدادهم!)
وأخيرًا يروى عن أعسر الظل (عن محقق جنائي مهووس بقراءة الروايات، قبل أن يكتشف وبمحض الصدفة أن واحدة من أبشع جرائم القتل السنوية تكون مدونة قبلًا برواية تتجسد في هيئة سلسلة طويلة المدى! ويبدأ ينساق من هنا.. خلف فضوله المهلك)
*هل يوجد أعمال قادمة للكاتبة أمنية حلمي؟*
بالتأكيد..
إلكتروني أنا بالفعل أجهز لكمّ كبير من الأعمال المتنوعة والأقوى، وسأنشر جميعًا تبع انتهاء ورطة الجزء الثاني حتى وإن أخذت لنفسي استراحة محارب بالمنتصف، أما للورقي فأنا قيد التخطيط لواحدة من أفخم وأفضل الروايات -حسب رؤيتي- على مرّ سنوات مضت وستأتِ.. حتى وإن لم يكن من نصيبها معرض القاهرة للعام القادم، فهي بالتأكيد على أي حال حين يتم نشرها كما أتمنى.. ستغزو معارض البلدان.
*لو ستوجه أمنية حلمي"مؤلفة الروايات" نصيحة لنفسها،* *ماذا ستقول؟*
تمهلي، الألف ميل تبدأ بخطوة، وطول الطريق يهون بالرِفقة، رويدًا يا فتاة.. ستصلين لكل أحلامك تباعًا، أنتِ فتاة ناضجة وذكية، لديكِ ما يؤهلك لاحتلال العالم إذ أردتِ، تملكين من الطموحات ما يتوغل بألف أرض ولا يكفي، ينقصك القليل.. القليل فقط من التيقُّن والإيمان أكثر بنفسك، ثم الصبر والتمهُّل كي تعقلي خطواتك برفق، قبل أن تغمري الكون بأفكارك.
كما يُقال ختامها مسك..
وهكذا نصل إلى ختام هذا الحوار الذي جمعنا بالكاتبة أمنية حلمي، حيث شاركتنا أفكارها، وسمحت لنا بعبور مساحات من الوعي والكتابة والإنسان.
كان حوارًا صادقًا، عميقًا، ومليئًا بالدهشة والأسئلة.
شكرًا من القلب على هذه المساحة الراقية من الحكي، ونتمنّى لكِ كل التوفيق في مسيرتك القادمة، قلمًا وقلبًا.
*الصحفية تحت التدريب: سارة ياسر – صحيفة (الاديم)*
https://www.facebook.com/share/12KKfziLge6/?mibextid=qi2Omg
لينك أكونت الفيس
https://www.instagram.com/omniahelmy850?igsh=cGFiZ2c0NjhodGE=
لينك الإنستا
https://www.wattpad.com/user/Omnia_Helmy?utm_source=android&utm_medium=link&utm_campaign=invitefriends
لينك الواتباد